وداعاً أيها (المالطي) الجميل ..!

664

كتب/ عدنان جمن
العام هو1977 م .. و المكان هو دار المعلمين و المعلمات في خور مكسر, كنت قد أنهيت المرحلة الإعدادية للتو و باستشارة أخي المرحوم الفنان شكيب جمن و تشجيعه أخترت مواصلة دراستي في قسم الفنون التشكيلية التي أعشقها حد الجنون لا سيما إنني كنت قد برزت كرسام تشكيلي في معارض المدارس و رسام كاريكاتيري في صحيفة 14 أكتوبر و هذا شجعني كثيراً على التفوق بقوة و منافسة أقراني في شعبة الفنون التشكيلية.

كانت الدار تؤهل معلمين شباباً في أربع شُعب: الشعبة العامة و هي تؤهل لتدريس المواد العلمية و الأدبية, شعبة الموسيقى و هي تؤهل لتدريس مادة التربية الموسيقية, شعبة الرياضة و هي تؤهل لتدريس مادة التربية الرياضية ثم شعبة الفنون التشكيلية التي تؤهل لتدريس مادة التربية الفنية و هي الشعبة التي عشت فيها أحلى ثلاث سنوات من حياتي.

حفلت دار المعلمين آنذاك بنخبة من خيرة المدرسين العرب, فقد كانت الكويت تُعير اليمن الجنوبي أيامها بمدرسين و أكفاء من مصر و السودان كما كان هناك أشقاء من فلسطين و العراق بالإضافة لخيرة المدرسات و المدرسين اليمنيين, فيما بعد صارت دار المعلمين بيتي الثاني, و هناك تعرفت على أروع أصدقاء و صديقات و امتدت الصداقة مع بعضهم الى يومنا هذا و كان محمد سعيد هو أحد أقرب اصدقائي الى قلبي لأسباب لا أعرفها و ربما تكون ابتسامته أو تلك الطيبة المتناهية في شخصيته أو هي مجموعة أسباب هي التي جمعت روحينا لصداقة قوية لأكثر من 37 عاماً .. صداقة لم تعترها لحظة واحدة من زعل أو خصام أو حتى عتاب!

كانت دار المعلمين تجمع خليطاً من طلبة من مختلف مناطق محافظة عدن: كريتر, خورمكسر, الشيخ عثمان, دار سعد, البريقة, الممدارة, المعلا و التواهي .. محمد سعيد زميلي في شعبة الفنون التشكيلية كان من أبناء منطقة التواهي و هي أجمل مناطق عدن التي تحاذي البحر من كل جهة و اشتهر سكانها بعادات و طقوس جميلة تشبه الى حد بعيد طقوس المستعمر البريطاني خالد الذكر كشرب الشاي عصراً بصحبة الكيك اللذيذ الذي تميزت به مدينة التواهي.

أشتهر محمد سعيد بيننا بقبعته الجينز التي كانت لا تفارق رأسه و كذلك بدراجته الهوائية التي كان يأتي بها أحياناً الى الدار كما كنت افعل مثله احيانا عندما استقل دراجتي الهوائية من بيتنا في كريتر, اشتهر محمداً كذلك بوسامته و حمرة خدوده اللتان فتحتا له الطريق أمام قلوب أجمل فتيات دار المعلمين!

اشتهرت في دار المعلمين برسومي الكاريكاتورية التي كنت مواظباً على نشرها في صحيفة 14 اكتوبر جنباً الى جنب مع دراستي هناك و كان محمد سعيد مهتماً بشكل كبير بتعلم هذا الفن فلم أذخر وسعاً لتقديم خبرتي المتواضعة له و لم يمض وقت طويل حتى قمت بتقديم أعماله الأولى لإدارة الصحيفة التي بدأت بعرض رسومه الأولى في صفحة القراء, و لأن محمد كان شاباً خفيف الدم الى حد كبير فقد نالت رسومه البسيطة و المرحة اعجاب القراء و فيما بعد صار من اهم رسامي الصحيفة.
عندما توطدت علاقتي بمحمد سعيد, كانت زيارة بيته الجميل في وسط الربوة التي تطل على كل مدينة التواهي أحلى ذكريات شبابي, كان الصعود لتلك الربوة و أنت تحمل دراجتك الهوائية على ظهرك أمراً شاقاً لكن ما أن يتراءى لك ذلك المنظر الأخاذ لميناء التواهي و بحرها الساحر و تستمتع بغموض رائحة نسيم البحر حتى يزول تعبك و تذوب في سحر المنظر, ذلك المنظر الذي لا شك ساعد على اظهار خصائص جميلة للغاية في شخصية محمد.

أتذكر أنني كنت يوماً أشرب الشاي مع محمد في أحد مقاهي التواهي العريقة فإذا بأحد الأشخاص و كان ماراً أمام المقهى يحيّي محمداً و يسأله: كيف حالك يا مالطي؟ اندهشت فسألته: أنت مالطي؟! ابتسم ابتسامته المعهودة ثم أخبرني أن جذوره البعيدة تعود لهذه الجزيرة الأوروبية الجميلة: مالطا! و وسط دهشتي رحت أعيد التأمل في وجه محمد و أخالني بدأت أفهم سر تلك الحُمرة في الخدود و بياض البشرة , و ظللت أنادي محمداً بالمالطي حتى آخر أيامه بل أنني حفظت اسمه لاحقاً في سجل هاتفي الجوال بالمالطي و مازال قابعاً هنالك حتى بعد رحيله!

مرت الأيام و السنين و تزوجت و كذلك محمد و استمرت صداقتنا بعد أن صرنا رجالاً و آباء و فرقتنا الحياة كلٍ في طريق بعد أن حططت رحالي في صنعاء العام 1988 م , و لكني لم أقطع صلتي بصديق عمري و زارني في صنعاء بعد الوحدة عدة مرات و وقتها كان ماجد ابني رحمة الله عليه يكبر ابن محمد البكر مراد حفظه الله ببضعة أشهر, و محمد كان هو أول من تحب عيناي أن تراه عندما كنت أنزل متلهفاً لزيارة الأهل و الأصحاب في عدن, و في كل محطات حياتي و انحناءاتها كان محمد تلك الواحة الجميلة التي الوذ إلى طيبتها هرباً من ضغوط الحياة و منغصاتها .. تلك الواحة التي أفلّت من حياتي و تركتني في صدمة ضمن سياق صدمات لا تنتهي و لا أعرف كيف سيتجاوزها قلبي!!

برغم اننا كبرنا أنا و محمد و صرنا أجداداً إلا أننا ظللنا في روحينا و قلبينا نحمل ذينك الشابين الغرّين الساذجين و كان زادنا في الحياة ذكريات أيام ذلك الزمان البريء و المحبة التي كان لا يفرقنا فيها عن بعض إلا ذهابنا للنوم في بيوتنا..!

يبدو إن عليّ اليوم أن أتعايش مع حقيقة غياب (المالطي) الجميل كعلقم لا بد منه , و علي أن أتقبل أنني لم أعد باستطاعتي أن أطلق صيحتي الحمقاء( أهاااااء..!) -وهي صيحة خرقاء احفظها من أيام الشباب- كلما أتيت الى بيته الكائن بجانب فندق الصخرة , حيث كان يخرج من بيته مندهشاً فرحاً بوصولي من صنعاء .. علي أن أتفهم – قسراً- أن الحياة مثلما تبدو لنا بسذاجة في لحظات يتوقف فيها الزمن مغمورةً بالسعادة و الأمان إلا أنها أيضاً تنشب أنيابها بكل قسوة في قلوبنا لنكتشف كم نحن ضعافاً و قليلي الحيلة أمام غدر المستقبل!

سامحني يا صديقي لو قلت لك وداعاً و لكننا سنلتقي حتماً في عالم آخر أقل قسوة و أكثر جمالاً .. جمالاً يليق بقلبينا الجميلين…
فــــــــــــوداعاً جميلاً أيها (المالطي) الجميل جداً !
وداعاُ…!

أخوك في رحلة الحياة
عدنان جمن ( أبو ماجد كما كنت تحب أن تناديني)

جميع الحقوق محفوظة عدن تايم – نبقيك مع الحدث