(يوم في برواز) باكورة اعمال القاصة اليمنية نبيهة محضور

669

عدن تايم/ متابعات
مقدمته لباكورة أعمال الكاتبة القصصية نبيهة محضور “يوم في برواز” التي صدرت هذا الأسبوع عن مركز أروقة للنشر والترجمة، قال الكاتب سمير حماية رئيس جمعية الشعراء والمفكرين والمبدعين “عندما طالعت المجموعة القصصية (يوم في برواز) للأديبة نبيهة محضور، وهي باكورة إنتاجها الأدبي كانت مفاجأة لي على المستوى الشخصي! فنادرا ما تجد مبدعا يشد الانتباه، وليس هذا تقليلا في مواهبنا من المبدعين ولكن هناك نوع من المبدعين يحتفظ بنكهة خاصة وأسلوب فريد مميز نستطيع من خلال إلقاء الضوء على كتاباته أن نتوقع تميزه وتفرده”.

وأضاف “الأديبة نبيهة محضور من هذا النوع، فهي تثبت لنا من خلال هذه المجموعة القصصية موهبتها الأدبية، بأسلوب شفاف جميل، يفوح من خلجات القلب والروح والعقل وتنثر لنا من خلال حروفها ولقرائها تجربتها الإبداعية، بساطة في الأسلوب وعمق في المشاعر الداخلية التي تتأرجح حينا بين الشجن تارة والأمل تارة أخرى، تحلِّق بين عالمين: الواقع تارة والخيال تارة أخرى.

ورغم كون القصص تندرج تحت القصة القصيرة وقدمتها بأسلوب شائق فإنها تؤكد لنا تلك الموهبة أيضا في القصة القصيرة جدا، مستخدمة البعد النفسي والرمزية بألفاظ قليلة، وجمل مختصرة كما في قصصها القصيرة جدا (بصير وقبلة وإبحار) فقدمت لنا رومانسية من الزمن الجميل مختصرة في سطر واحد يحتاج للتوقف والتأمل بأسلوب بسيط يحمل الكثير من المعاني والثورة الوجدانية”.

ولفت حماية إلى أن الأديبة تحلِّق بنا ما بين القصة القصيرة جدا والقصة القصيرة وتعود بنا مرة أخرى للقصة القصيرة بأسلوبها التقليدي وبأسلوب مميز. تخاطب به النفس البشرية، تتطلع إلى حلم، وتارة نجده قريبا وتارة بعيدا، ولكن هي ثورة على النفس البشرية، تحلم بالتغيير، ترصد خفايا النفس البشرية تمردها. أخطاءها، تتمرد على الواقع بصرخة الحروف، ترصد الظلم، التفكك المجتمعي، جمود الإنسانية، القهر الواقع على النفس. كما في قصة “أنين” تتطلع إلى المثالية، جماليات الأشياء، تظهر لنا سطحية الفكر الكامن في النفوس، عدم القدرة على التفكير، قتل الإنسان للإنسان الذي بداخله كما في قصة “عري” وغيرها. الشجن هو الصديق الملازم للحروف وهو ناتج عن رصد خبرات حياتية واقعية مثقلة بالجراح، في ظل انعدام العدالة، وعدم احترام للآخر.

وأكد أن نبيهة محضور تكتب أحيانا بروح ثائرة ومتمردة على الواقع وسلبياته، تحمل سيفاً من الحروف تحارب به الظلم، تنشد الحب والسلام، وتارة أخرى نجدها تكتب بروح قديسة، بأسلوب ملائكي، يحلِّق من بعيد حاملاً أغصان الزيتون، تتمرد على الوهم والجهل ولا تتورع في محاربتهما، وتارة أخرى تكتب بأسلوب عاشقة أتت من روح الأساطير، لتنثر للقلوب حروف الحب، متوهجة بأحاسيس حريرية وفضفاضة، تلملم الوجدان وتصيغه بشكل مرهف وراق.

ورأى حماية أن المجموعة القصصية جاءت متكاملة من حيث البناء والتنوع بين القصة القصيرة التقليدية والقصة القصيرة جدا بحداثتها وتطورها، أديبة واعدة وتستحق التهنئة على باكورة إنتاجها.

ومن جانبه أكد الكاتب محمد الغربي عمران رئيس نادي القصة باليمن في مقدمة أخرى للمجموعة أن مجموعة نبيهة محضور موزعة بين القصة القصيرة والأقصوصة. المشغولة بالهم الاجتماعي، المتشظَّية بطرح الأسئلة، دون العناية بوضع أجوبة. وأضاف “تلك أبرز ما يميز نصوص هذه المجموعة. فالمتابع للمشهد السردي في ذمار لا يمكن له إلا أن يكبِّر في هذه المدينة الصغيرة ذلك النشاط المتنامي لتلك الأسماء التي تجاوزت المحافظة لتكون أسماء معروفة على مستوى اليمن. وبفضلهم أطلق البعض صفة عاصمة الثقافة اليمنية على هذه المدينة التي لا يتجاوز عدد سكانها المائتي ألف نسمة، والتي يعتمل مشهدها الثقافي سردا وشعرا وتشكيلا بشكل لافت ليأتي في صدارة المدن اليمنية بعد صنعاء. وكاتبتنا لها الدور اللافت في تفعيل ذلك المشهد”.

وقال “في باكورة أعمالها هذه تخطو الكاتبة خطوتها الأولى بشجاعة دافعة بمولودها السردي الأول للنور، متخطية النشر داخل اليمن إلى أفق الوطن العربي. هي كاتبة مقالة من الطراز الرفيع. وناشطة دوما في رعاية من حولها.. فاعلة في مجالات متعددة من الإبداع إلى الحقوق والحريات إلى النواحي الاجتماعية. ورغم ذلك استطاعت أن تعطي من وقتها المزدحم الوقت الكافي لإبداعها المتميز، لتقدم لنا نصوصا حرصت على اختيار مواضيعها من واقعنا المرير.

ولم تذهب بعيدا كما يفعل بعض الكتاب ويغرقون في الرومانسيات أو الذاتية، مقدمة قضايا المرأة على كل قضية. وبتلك الشخصيات العاجزة والطموح ما يجعل القارئ يسعد لشعوره بأنه يعرف تلك الشخصيات وأنها من محيطة.

وأجزم بأن الكاتبة بذلك تدعو القارئ لمشاركتها هموم شخصيات نصوصها. فكثيرا ما نرى من خلال أحداثها الدائري المزدحم في مدينة ذمار. وكثيرا ما نستنشق روائح سوق الربوع بزحام سلعه وروائح عرق مرتاديه القادمين من الأرياف المجاورة للمدينة. وتلك العادات المتفشية تبرزها وتعالجها في جل نصوصها بروح المبدعة وحساسية الفنانة.

ورأى عمران أن المجموعة تشكل إطلالة على قضايا المجتمع اليمني، حين سلطت الكاتبة فيما يقارب من الخمس والأربعين قصة وأقصوصة الضوء على إيقاع الحياة، وخاصة حياة المرأة في مجتمع يحكمه الرجل ويتسلط على كل ما يحيط.

وأشار عمران إلى أن نبيهة محضور يمكن أن نصنِّف بعض نصوصها بالنصوص التحريضية الدافعة إلى ثورة اجتماعية على طريق نيل المرأة كامل حقوقها. وهي بذلك تنصف الرجل أيضا من غيه بالتخلي عن تسلطه وأنانيته وحبه للتملك رافعا شعارات دينية واجتماعية لفرض نزعته التسلطية على كل مقدارات الحياة. لا أفضِّل أن أصف ما أكتبه حول أي عمل بالمقدمة. وأفضِّل أن أصفه بـ “الكتابة الاحتفائية” كوني كاتباً لا أستسيغ الأطر التقليدية، مؤمنا بأن أفضل تقديم للنص قراءته.

ومن أكتب عن عمله زميل أو زميله لست أكثر منهم بل سواسية، وما بين أيدينا نصوص متميزه تضيف إلى المشهد الإبداعي اليمني إضافة جديدة تبشر بأديبة سيكون لها شأن عما قريب. فقليلا ما يولد مبدع بنضج كامل. وقلة من تكون بواكيره بعيدةً عن الذاتية. وكاتبتنا تخلصت من ذلك من أول أعمالها. ولذلك أكون على يقين بأن القارئ الكريم سيدهش ويقف عند أكثر من نص متأملا ما تحمله من دلالات وإيحاءات، بعد أن نسجت كاتبتنا جل نصوص مجموعتها بوعي متقد وشائق. وإدراك متبصر رائع.

• من المجموعة

إرحل

طوت صحائف الغرام بقبضة الحسرة، قالت له إرحل.. ومضت تشق عُباب البعد، تُجفف دمعاً يُبحر في مآقي عينيها! تدفن أخاديد شوق حفرت في أعماق فؤادها، تركض بصمت مكبلة بالحزن، مصفَّدة بالألم! تبحث عن مأوى يحتضن جراحها، ألقت بروحها، في قبو الأمس.. تهز جذع الذكريات.. فتتساقط عليها همسات أشواقه.. أشعاره.. وعوده، تتقد أشواقها.. يغرس الألم مخالبه في قلبها، ذلك أنّ أشعاره، همساته.. لم تعد لها وحدها.. تعض أصابع الندم وتبتلع عجاج الصبر وخلف سياج الصمت تحبس كلماتها، وتكتفي ببضع تمرات من أشواقه، زاداً لها في طريق الرحيل.

قِبلة

توضأت بالحنين.. أحرمت بثياب الشوق.. يممت قلبها باتجاه فؤاده.. صلت في محراب أشواقه.. بينما هو كان يصلي في محراب أخرى جعلها قبلة لقلبه.

غرامCom

ـ تعلمين لم أعد اُطيق الحياة بعيداً عنك.. لقد صرتِ كل شيء في حياتي.

ـ أنا كذلك.. وجودك هو مصدر سعادتي.. الأمل الذي صرت أعيش من أجله.

ـ لقد صرتُ أنتظرك على أحرَّ من الجمر.. لم أعد أهوى الخروج، ولا لقاء الأصدقاء.

ـ تلك اللحظات التي تحدثني فيها.. أشعر فيها بوجودي.. بأنوثتي.. بآدميتي.

ـ آن الأون لكي نلتقي.. يجب أن أراكِ.. لم أعد أحتمل بعدك أكثر.

كان هذا آخر حديث بينهما.. عبر صفحة الفيس بوك.. بعد علاقة بدأت منذ أشهر.. تبادلا فيها أرق العواطف.. أهداها أشعاره.. عذب كلماته.. جعل منها ملكة حياته.

كم تمنت أن يكون زوجها من يقول هذه الكلمات.. يقولها.. زوجها الذي لم تعرف منه سوى القسوة.. يعود كل ليلة ليغلق عليه غرفته، لا يتذكرها إلا عندما تثور رجولته.. ظلت لسنوات متعطشة لسماع كلمة رقيقة تروي ظمأ روحها.. لا تجد إلا صراخه الذي يدوِّي في أرجاء المنزل، معبراً به عن رجولته.

ها هو ذا اليوم يطلب لقاءها.. تتردد.. لا يمكن أن تفعل ذلك، يصر على طلبه.. يترجاها.. يخبرها بأنه لم يعد يستطيع الحياة بدونها.. لقد أصبحت كل شيء في حياته.. أرسل لها رسالة إلكترونية بالعنوان ورقم الشقة والموعد.

لم تستطع مقاومة مشاعرها الملتهبة.. صدى كلماته يتردد في اُذنيها.. يجلجل في أعماقها.. تتعطش للارتواء.. ارتدت أجمل ما لديها.. هيأت نفسها للقائه.. في إحدى شقق عمارته التي تعرفها حق المعرفة.. استقبلها بكامل هندامه.. شذى عطره يملأ المكان.. ترتسم ابتسامة طالما تمنت رؤيتها على وجهه العابس، كادت دمعة حزن تفر من عينيها! وهي ترى لهفته.. استدارت بعيداً عنه.. أزاحت خمارها.

ضربات قلبها تتسارع.. أطرافها ترتعد.. وقف خلفها.. تلمس بأنامله شعرها المنسدل على ظهرها.. بصوت خافت، همس في اُذنها:

ـ لم أر مثل جمال شعرك أبدأً.. ولا رشاقة كرشاقة جسدك.

طوَّق خاصرتها.. استنشق عبير جسدها، استدار ليواجهها، تسمر مكانه، جاحظ العينين، يشخص بناظره مصعوقاً! فمن كانت تقف أمامه لم تكن سوى زوجته المتعطشة لحنانه المفقود