هل تعود القاعدة إلى الظل في اليمن

741

شهدت الحرب الأميركية على تنظيم القاعدة في اليمن تصعيدا متواصلا منذ مطلع العام 2017، فخلال 100 يوم من عهد الرئيس الجديد دونالد ترامب، عادلت الضربات الجوية التي استهدفت عناصر التنظيم في مناطق يمنية مختلفة حجم الضربات التي تم تنفيذها طوال ثماني سنوات من حكم الرئيس الأسبق باراك أوباما.

وخلافا للأعوام الماضية، حيث كانت الضربات تتم بشكل خاطف وعلى فترات متباعدة، فإن الضربات الحالية تعتمد نسقا يوميا مستمرا، مع تركيز واضح على عدد من الأهداف والمناطق.

ولا يمر يوم منذ أواخر يناير الماضي دون أن تشن الطائرات الأميركية دون طيار غارات على عناصر “القاعدة” في عدد من المحافظات اليمنية، وعلى رأسها البيضاء (جنوب غرب)، شبوة (جنوب)، أبين (جنوب)، ومأرب (وسط).

ويحذّر خبراء الشؤون الأمنية من أنّ التنظيم الذي لطالما أظهر استعدادا كبيرا لملء الفراغات واستثمار الثغرات السياسية والأمنية، بصدد الاستفادة من الارتباك السياسي الذي يطبع عمل حكومة الرئيس عبدربه منصور هادي، وخصوصا فشلها في إعادة إطلاق عجلة التنمية بالمناطق المحرّرة من المتمرّدين الحوثيين، فضلا عن توفير الخدمات الأساسية لسكان تلك المناطق.

وتشن المقاتلات الأميركية، منذ الثامن والعشرين من فبراير وحتى أواخر أبريل الماضي، أكثر من 90 غارة ضد مواقع التنظيم في اليمن ووفقا لآخر البيانات الصادرة عن وزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون).

ونجحت العمليات العسكرية الأميركية في استنزاف القاعدة بشكل كبير، فإضافة إلى سقوط مقاتلين بشكل شبه يومي، كانت معسكرات التنظيم ومخازن أسلحته تتعرض للتدمير هذه المرة، وهو ما جعل زعيم القاعدة في جزيرة العرب واليمن قاسم الريمي، يصرخ ويتوعد الولايات المتحدة بالرد.

ولم تقتصر العمليات العسكرية الأميركية ضد تنظيم القاعدة خلال 2017 على تكثيف الضربات الجوية التي تنفذها طائرات دون طيار، فالبحرية الأميركية المرابطة في خليج عدن شنت عدة هجمات على مواقع التنظيم في محافظة أبين، جنوبي البلاد، وهو ما شدد الخناق على عناصر القاعدة.

وخلال أبريل الماضي، كانت مواقع التنظيم في مناطق” خبر المراقشة” وغربي مدينة “مودية” بمحافظة أبين، هدفا لضربات البحرية الأميركية، ما يكشف عن التطور النوعي للحرب الأميركية ضد القاعدة.

ترامب يريد إحداث نقلة نوعية في الحرب على الإرهاب، وإظهار مقدرته على تحقيق ما عجزت عنه إدارة أوباما

وعلى الرغم من إجلاء القوات الأميركية في جنوبي البلاد، والعسكريين الذين كانوا متواجدين في سفارة واشنطن بصنعاء، عقب اجتياح جماعة “أنصار الله” (الحوثيين) للعاصمة، في سبتمبر 2014 وتقدمهم نحو جنوبي البلاد، إلا أن واشنطن أعادت جانبا من قواتها مجددا للحرب ضد القاعدة.

وأقر المتحدث باسم البنتاغون جيف ديفيس، منتصف إبريل الماضي، بـ”تواجد محدود” للقوات الأميركية في جنوبي اليمن، في إطار الحرب ضد ما أسماه بـ”إرهاب تنظيم القاعدة”.

ويؤكد البنتاغون أن استهداف المواقع الإرهابية “سيستمر”، مشيرا إلى أن الغارات التي تنفذها واشنطن “تهدف إلى الحد من قدرات القاعدة على شن هجمات خارجية انطلاقا من هذا البلد، وإعادة الأراضي التي تسيطر عليها إلى الحكومة اليمنية الشرعية”.

ويكشف نسق العمليات العسكرية عن سعي الإدارة الأميركية لاستنزاف تنظيم القاعدة بشكل كبير وبأي ثمن، ويظهر ذلك عبر حدة عمليات الاستهداف الجوي، والتي لم تعد تقتصر على الأهداف المتحصنة بالمباني أو الموجودة بالسيارات، حيث امتدت كذلك إلى عناصر في التنظيم الذين يستقل بعضهم الدراجات النارية، كما حدث في منطقة “الروضة” بشبوة وأبين، خلال الأسابيع الماضية.

انكماش التنظيم

يحاول تنظيم القاعدة إبداء عدم اكتراثه بالضربات الأميركية التي تستهدف عناصره في اليمن، وإظهار صموده وقوته، لكن حدة العمليات الأميركية الأخيرة أخرجت زعيم التنظيم في جزيرة العرب واليمن قاسم الريمي عن صمته، ليخرج متوعدا أميركا بالرد، وذلك عبر لقاء صحافي يكشف حجم الضربات الموجعة التي تعرض لها التنظيم الإرهابي باليمن.

وهاجم الريمي، في اللقاء الذي نشره الأحد الماضي موقع” صدى الملاحم” التابع للقاعدة على الإنترنت، الإدارة الأميركية والرئيس ترامب، محاولا الإيهام بأن العمليات العسكرية المكثفة لا تمثل إلا انعكاسا للفشل المتراكم للإدارات الأميركية المتعاقبة، التي أفلست في مواجهة عناصرهم “في كل مكان”.

وتوعد زعيم القاعدة في اليمن بالرد مؤكدا أنهم “لن يتركوا جرائم الولايات المتحدة تمر دون عقاب”.

وحاول الريمي التغطية على قوة الضربات الأميركية وتأثيرها على الجماعة الإرهابية، من خلال التذكير بنجاح عناصر القاعدة في قتل وجرح عدد من الجنود الأميركيين وإسقاط طائرتين عموديتين، وذلك في العملية التي نفذها الجيش الأميركي بمنطقة “يكلا” في محافظة البيضاء، أواخر يناير الماضي، وهو ما لم يؤكده أو ينفه الجيش الأميركي.

ولا يُعرف على وجه الدقة عدد القيادات من تنظيم القاعدة التي سقطت خلال العمليات الأميركية الأخيرة، ومنذ عملية “يكلا” في “البيضاء” التي أسفرت عن مقتل 14 من عناصر التنظيم بينهم قيادات سعودية، كان القيادي “ياسر السلمي”، المعتقل السابق في غوانتانامو، أحد أبرز الأهداف الأخيرة، بعد أن اصطادته طائرة دون طيار مطلع مارس الماضي في بلدة “قيفة” بمحافظة البيضاء.

وتسببت الضربات المكثفة في انكماش التنظيم وتراجعه بشكل ملموس حيث لجأ إلى التواري عن الأنظار والتخفي خاصة في المناطق التي بدأ بالسيطرة عليها بشكل علني والتي بلغت حد نشر حواجز تفتيش في شوارعها في السابق.

ونقلت مصادر محلية في منطقة شبوة أن عناصر التنظيم بدأت بالذوبان في المجتمع والتخفي، حيث أصبح تحركها يتم في إطار خلايا نائمة.

وأضاف المصدر “حتى في المديريات النائية في الصعيد تسببت الضربات في تواري التنظيم ولجوئه إلى السرية”. وكشف المصدر أن مواقع تواجد قبيلة آل عاطف في المحافظة، وهي القبيلة التي ينتمي لها زعيم التنظيم سعد بن عاطف، تم إخلاؤها بشكل تام، حيث يرجح انتقالها للعيش في كهوف وسط الجبال.

جبهات جديدة

يبدو أن تراجع التنظيم الإرهابي تحت وطأة العمليات العسكرية، وانكماشه بعدد من المناطق التي كانت خاضعة لسيطرته بالكامل، دفعا به إلى محاولة تحقيق اختراق على جبهات أخرى خاصة جنوبي البلاد، في محاولة للتغطية على خسائره التي مني بها.

تزامن الضربات الأميركية مع إعلان التنظيم عن تواجده بكل من مدينتي تعز وعدن يعد محاولة للضغط السياسي والعسكري على التحالف العربي والحكومة الشرعية

ويرى المراقبون أن تزامن الضربات الأميركية مع إعلان التنظيم عن تواجده بكل من مدينتي تعز وعدن يعد محاولة للضغط السياسي والعسكري على التحالف العربي والحكومة الشرعية.

ويرجح المراقبون أن التنظيم يسعى عبر هذا الإعلان إلى تحقيق أكثر من هدف استراتيجي، عبر إظهار تماسكه وعدم تأثره بالضربات الأميركية، إلى جانب قدرته على التغلغل في المناطق المحررة، وفتح جبهة مواجهة جديدة مع الجيش اليمني وحلفائه في محاولة لاستنزاف جهودهم.

ويستدعي دعم الجهد العسكري الأميركي لاستئصال القاعدة والجماعات المتطرفة بحسب المراقبين، حزما أكبر من جانب الرئيس عبدربه منصور هادي خاصة في إدارة أوضاع المناطق المحررة، ومعالجة مشاكلها حتى لا تتمكن عناصر القاعدة من توظيف حالة الاضطرابات والفوضى الأمنية والتنظيمية بالشارع.

ويشدد المتابعون للشأن اليمني أيضا على ضرورة إبداء مواقف أكثر صرامة من حزب الإصلاح، الذي يعد الواجهة السياسية لتنظيم الإخوان باليمن في ظل تورط الحزب وقيادته بشكل صريح في توفير غطاء أمني لمقاتلي تنظيم القاعدة على أكثر من جبهة، فضلا عن التعاون الموثق بين الإخوان والقاعدة في مناسبات سابقة.

ويرى مراقبون أن إدارة الرئيس دونالد ترامب تريد إحداث “نقلة نوعية” في الحرب على الإرهاب وإظهار مقدرتها على تحقيق ما عجزت عنه إدارة أوباما، من خلال تنويع العمليات، والانتقال من الطائرات دون طيار إلى المواجهات المباشرة.

ويرى المحلل السياسي والمختص في شؤون تنظيم القاعدة سعيد الجمحي أن “التحول الحاصل في سياق الحرب على الإرهاب يعكس رغبة أميركية لتحقيق مكاسب سياسية”. وعلى الرغم من الفعالية الكبرى التي تميزت بها العمليات الأميركية، إلا أن الجمحي يحذر من “الانعكاسات التي قد تحدثها إستراتيجية المواجهة الميدانية ضد القاعدة”، والتي يرى أنها قد “تخدم تنظيم القاعدة”.

ويشير الجمحي إلى أنه وعلى الرغم من النجاحات التي تحققها الضربات المكثفة والمشاركة البرية، إلا أن القاعدة سوف تستغل ذلك بالمزيد من الترويج لخطاب عاطفي، تدغدغ من خلاله مشاعر الساخطين على الولايات المتحدة، من خلال إعادة استغلال المعجم الديني ووصف المعركة بأنها بين “الإسلام والكفر العالمي” وأنها “هجمة صليبية”، وذلك على غرار خطابات سابقة لقادة التنظيم.