ميناء “جوادر” يشعل الصراع من عدن إلى نيودلهي..

604

للحلل . ماهر علوش

مقدمة..

وصل الرئيس الإيراني على رأس وفد سياسي واقتصادي رفيع المستوى إلى مدينة “حيدر آباد” الهندية قبل يومين؛ وذلك في إطار زيارة رسمية طويلة إلى الهند تستغرق ثلاثة أيام.. يحمل هذا الخبر في طياته الكثير من الدلالات، ويتضمن عدة رسائل ذات بعد استراتيجي لا بد من قراءتها في إطارها الصحيح، وضمن سياقها الطبيعي إلى جانب سلسة من الأحداث والتطورات غير المسبوقة التي يشهدها العالم خلال السنوات الأخيرة، والتطورات التي يشهدها بحر الصين الجنوبي، ومناطق جنوب آسيا، وآسيا الوسطى على جهة الخصوص.. ويحاول هذا المقال تسليط الضوء على عدة نقاط من شأنها أن تمنح القارئ الكريم بعض التصورات، وتساعده في تحديد الاتجاهات..

حزام واحد وطريق واحد..

“حزام واحد وطريق واحد” مبادرة كونية أطلقها الرئيس الصيني “شي جين بينغ” في جامعة “نزارباييف” بكازاخستان في عام 2013م، تقوم رؤيتها باختصار على إحياء فكرة “طريق الحرير القديم”، ذاك الطريق الذي يمتد من الصين عبر آسيا الوسطى إلى شواطئ المتوسط، ومن ثَمَّ يمتد عبر البحر إلى دول حوض المتوسط في جنوب أوروبا، ومنها إلى دول الشمال.. كانت مجرد مبادرة وأفكار حملها الرئيس الصيني إلى دول الجوار، لكنها ما لبثت أن تحولت إلى مشروع كبير دخل في حيز التنفيذ خلال أقل من ثلاث سنوات من إعلان المبادرة، وهو رقم قياسي بالنسبة لمشاريع من هذا النوع، إلا أنه لا زال يعاني من اضطرابات على مستوى الرؤية والبنية والشركاء، ويعود ذلك لعدة أسباب متداخلة فيما بينها.. أبرزها عالمية المشروع، وهذا ما يضعه في مواجهة مباشرة مع بعض المراكز الدولية التي تقود مشاريع منافسة على مستوى العالم كالولايات المتحدة، أو تلك التي تتأثر منه سلبا كالهند.. يضاف إلى ذلك: اتساع نطاق المشروع، حيث يمتد على مساحات جغرافية هائلة، وهذا يستدعي بناء أكبر قدر من المشتركات السياسية والاقتصادية بين الدول الأعضاء، وهذا بدوره يتطلب سلسلة كبيرة من اللقاءات الجانبية والتفاهمات الإقليمية- الدولية، خاصة أن كثيرا من هذه الدول ملتزم باتفاقيات سياسية واقتصادية قد لا تنسجم مع رؤية المشروع..

أهمية الحزام والطريق..

تأتي أهمية هذا المشروع من خلال عالميته، واتساع نطاقه، والخدمات الحيوية التي يقدمها، إلى جانب العائدات الاقتصادية الهائلة.. وبشيء من التفصيل يمكن اعتبار هذا المشروع أحد أضخم مشاريع المواصلات البرية- البحرية في العالم، حيث يمتد على أراضي 68 دولة، على رأسها روسيا والصين وباكستان وتركيا وألمانيا وبريطانيا، ودول أخرى في آسيا وأوروبا.. وتشير الرؤية الأولية للمشروع إلى أنه يعتمد على إنشاء ستة خطوط برية وبحرية، أبرزها الخط الشمالي برا، والذي يصل بين آسيا وأوروبا، انطلاقا من الصين إلى آسيا الوسطى، ثم إلى روسيا، ومنها إلى شمال أوروبا، وصولا إلى دول بحر البلطيق.. والخط الجنوبي برا، والذي يصل بين الصين وباكستان، ومنها عبر ميناء “جوادر” إلى دول الخليج العربي، ثم إلى شواطئ البحر المتوسط عبر البحر الأحمر، ومنه إلى جنوب أوروبا.. كما يتضمن المشروع بناء شبكات كبيرة جدا من الطرق البرية، والسكك الحديدية، وأنابيب النفط والغاز، وخطوط الطاقة الكهربائية، وخطوط الإنترنت العابرة للقارات.. الأمر الذي يتيح أمام المشروع فرصة الاعتماد عليه كنواة لتشكيل منطقة اقتصادية كبيرة جدا في آسيا.. ولعل هذا أحد أبرز المخاوف الأمريكية من المشروع، على اعتبار أن الصين هي المرشح الأبرز لقيادة هذه المنطقة، وبالتالي سوف تقوم بالاستفادة من اقتصاديات آسيا الصاعدة كرافعة أساسية لها في مواجهة الولايات المتحدة.. ولدى إمعان النظر في فلسفة هذا المشروع نجد أنه يتناغم إلى حد كبير مع مشروع الغاز الروسي، حيث يعتمد المشروعان بشكل أساسي على فكرة تعزيز التواصل بين آسيا وأوروبا، وربما كان هذا أحد أسرار الدعم الروسي له، باعتباره يعزز النظرية الأوراسية التي تتبناها روسيا على مستوى التكامل السياسي والاقتصادي مع أوروبا..

حجر الزاوية وحرب الموانئ..

يقع ميناء “جوادر” على بحر العرب في جنوب غرب باكستان، ويعد هذا الميناء حجر الزاوية في المشروع الصيني الكبير، حيث يشكل عقدة اتصال برية- بحرية بين إقليم شينجيانغ، وهو أحد أكبر الأقاليم الصناعية في شمال غرب الصين، وبين بقية دول العالم التي تستهلك البضائع الصينية، الأمر الذي يفتح المجال أمام الشركات الصينية لإرسال بضائعها إلى أكثر بلدان العالم بوقت أسرع، وبكلفة مالية أقل، قياسا بما كانت عليه سابقا في الموانئ التي تشرف على بحر الصين الجنوبي والشرقي في المحيط الهادئ.. كما يقع إلى جانب ميناء جوادر على بعد 168 كم ميناء “تشابهار” في إيران، وهو ميناء قديم غير مجهز بما فيه الكفاية ليكون منافسا على الساحة الدولية، ويقع مع ميناء “جوادر” عند مدخل خليج عمان، وإلى جانب “تشابهار” على بعد 540 كم يقع ميناء راشد، وإلى جانبه ميناء جبل علي في إمارة دبي، في دولة الإمارات العربية المتحدة، عند مضيق هرمز.. اقتراب هذه الموانئ من بعضها البعض أشعل بينها ما يشبه الحرب، فكما شهد العالم “حروب النفط” قبل عقدين، ويشهد الآن “حروب الغاز” أيضا، فإنه يشهد حربا أخرى من نوع آخر لا تقل عنها أهمية، ولا تبعد عنها كثيرا، حيث تندرج معها ضمن سلسة “الحروب الاقتصادية” التي تخوضها الدول.. هذه الحرب التي يصفها البعض بـ”حرب الموانئ” ساهمت في وضع ملامح تحالفات إقليمية جديدة في جنوب غرب آسيا، حيث اجتمع خصوم “جوادر” مع بعضهم البعض في تحالف غير معلن يضم الإمارات والهند وإيران، ويمكن اعتبار الهند في مركز هذا التحالف، وفي المقابل ارتسمت ملامح التحالف المضاد الذي يضم الصين وباكستان وقطر إلى جانب روسيا أيضا، وتعد الصين بما تحمله من قوة اقتصادية هائلة مركز هذا التحالف..

تحركات الإمارات والهند وإيران..

ما إن أطلقت الصين مبادرتها، وبدأت بالخطوات العملية في سبيل تحقيق هذا المشروع حتى قامت الإمارات والهند وإيران باتخاذ خطوات عدائية تجاه باكستان بالدرجة الأولى، وبقية الأطراف الإقليميين القائمين على المشروع بالدرجة الثانية، ولكل واحدة من هذه الدول الثلاثة أسبابها التي تدفعها لمحاربة المشروع، وفيما يلي نستعرض أبرز الأسباب لكل دولة، إلى جانب أبرز الخطوات التي قامت بها:

أما الإمارات.. فلديها أسباب اقتصادية تدفعها لاتخاذ خطوات عدائية تجاه المشروع، وذلك على اعتباره منافسا اقتصاديا سوف يتسبب لها بخسائر اقتصادية كبيرة.. وشرح ذلك أن الإمارات نهضت على الساحة الدولية من خلال ميناء “راشد” وميناء “جبل علي”، ومشروع ميناء “جوادر” يشكل تهديدا اقتصاديا مباشرا لـ “دبي”، التي عرفت الانفتاح على العالم من خلال هذين المينائين.. و”الجغرافية الاقتصادية” تؤكد أن تشغيل ميناء “جودار” سوف يقلص الوارادات الاقتصادية لـ”دبي”، وربما يخرجها عن الخدمة خلال فترة لا تتجاوز عشر سنوات بحسب بعض التقارير.. وفي مواجهة ذلك قامت الإمارات باتخاذ عدة خطوات على الصعيد العملي:

-حيث قامت بدعم المعارضة الباكستانية بهدف الإطاحة برئيس الوزراء السابق نواز شريف، حتى تمكنت من ذلك في أواخر يوليو/تموز 2017م، وذلك بعد أن ألصقت به عدة اتهامات بالفساد عبر وثائق سرية، يقال: إن الإمارات حصلت عليها بواسطة إسرائيل..

-كما قامت باستقبال رئيس وزراء الهند نارندار مودي في نفس العام الذي تم فيه توقيع اتفاقية ميناء “جوادر”، وذلك في رسالة صارخة ضد باكستان، حيث تعد هذه الزيارة هي الأولى من نوعها لرئيس وزراء هندي إلى الإمارات..

-كما قامت ببناء معبد هندوسي على أرضها هو الأكبر من نوعه في المنطقة العربية، وذلك في رسالة تهدف إلى تثبيت هذا التحالف، وتؤكد التزام الإمارات بالمحور الهندي الإيراني في مواجهة باكستان..

-كما يمكن قراءة احتلال الإمارات للجزر اليمنية الواقعة في خليج عدن ضمن نفس السياق، وباعتبار أن ميناء “جوادر” يقع على بحر العرب، والمشروع يعتمد الوصول إلى المتوسط عبر البحر الأحمر؛ فإن السيطرة على الجزر اليمنية من شأنه وضع الملاحة البحرية في بحر العرب، وخليج عدن، ومضيق باب المندب تحت سيطرة الإمارات، وبالتالي فمن السهل تعطيل عمل الميناء فيما لو نشب أي صراع في المنطقة، أو حصلت أي اضطرابات..

-كما يمكن اعتبار ما قامت به الإمارات بالتعاون مع دول الحصار ضد قطر أحد مفردات رد الفعل الإماراتي على تأييد دولة قطر لهذا المشروع، حيث أعلنت الأخيرة استعدادها للمشاركة في تمويل بناء وتطوير هذا الميناء..

وأما الهند.. فليست بمنأى عن تأثيرات الميناء، حيث يشكل “جوادر” تهديدا لها أيضا، إلا أنه من نوع آخر، حيث يتداخل فيه السياسي والاقتصادي معا، ويمكن اختصار التهديدات في ثلاث نقاط:

– الأولى: تخوف الهند من تنامي نفوذ الصين الاقتصادي والسياسي في آسيا، والذي يتكامل مع تنامي النفوذ الباكستاني كما سيأتي، الأمر الذي قد يقطع أحلام الهند في الوصول إلى أفغانستان وتركمانستان برا عبر باكستان..

– الثانية: تخوف الهند من تنامي نفوذ باكستان الاقتصادي والسياسي أيضا، حيث تعد الأخيرة الخصم التاريخي اللدود لها، وهو ما يدفع الهند لقطع الطريق أمام أي مشروع يحقق مكاسب وامتيازات لـ باكستان على الصعيد الاقتصادي، والذي قد يساعدها لاحقا في تحقيق التفوق العسكري عليها..

– الثالثة: تخوف الهند من حدوث تغييرات مفاجئة على صعيد قضية كشمير، والتي تعد القضية الأبرز في الصراع الهندي- الباكستاني على مدى نصف قرن، حيث تخشى الهند من انعكاسات مرور المشروع في إقليم كشمير (الجزء الباكستاني) المتنازع عليه، وهو ما يعني أن الإقليم سوف يدخل بشكل أو بآخر ضمن الحسابات الصينية، وهذا بدوره قد يفرض على الهند نمطا جديدا في طريقة التعاطي مع هذا الملف..

وأما إيران.. فإن الميناء يشكل تهديدا حيويا لها أيضا، حيث يتداخل السياسي والاقتصادي في الأيديولوجي، ويمكن اختصار التهديدات في نقطتين أساسيتين أيضا:

– الأولى: تخوف إيران من التفوق السني الباكستاني في آسيا، والذي بدوره يؤثر سلبا في مشروع التمدد الإيراني في محيطها الاستراتيجي في جنوب آسيا وآسيا الوسطى..

– الثانية: تخوف إيران من عدم دمجها بالمشروع الصيني الكبير، واستثنائها من الامتيازات التي يحققها هذا المشروع للدول الأعضاء على المستوى الاقتصادي والسياسي..

وللحد من تأثير “جوادر” على هذه الأطراف اتخذت إيران والهند (إلى جانب أفغانستان) عدة خطوات مشتركة في مواجهة باكستان، حيث قامت إيران بتعزيز التواصل مع الهند، وتوقيع مذكرة تفاهم تقضي بتطوير ميناء “تشابهار”، بحيث يصبح منافسا استراتيجيا له، وقامت على إثر ذلك بتسليم أجزاء من الميناء للهند، وتأتي زيارة الرئيس الإيراني اليوم إلى الهند في نفس السياق تماما، حيث تم توقيع 15 مذكرة تفاهم بين الجانبين، كان أهمها على الإطلاق اتفاق تأجير طهران جزءا من ميناء “تشابهار” للهند مدة 18 شهرا بحسب “رويترز”.. ولا شك أن نجاح مشروع “تشابهار” بين الهند وإيران سوف يحد من نجاح مشروع “جوادر”، إلا أنه في نفس الوقت سوف يشكل تهديدا من نوع آخر للإمارات، التي اتخذت موقفها بناء على حسابات اقتصادية محضة.. وبالتالي يمكننا القول: إن الإمارات تواجه الإمارات بشكل أو بآخر؛ إذ الامتيازات والمكاسب التي يحققها “تشابهار” تتقاطع إلى حد كبير مع المكاسب والامتيازات التي يحققها “جوادر”، وكلاهما يمتلك نفس التأثير السلبي على دبي فيما لو تحول إلى مركز تجاري عالمي..

تحديات تنتظر باكستان..

يواجه المشروع الصيني الكبير تحديات كثيرة جدا، خاصة أنه مشروع ذو طبيعة عالمية، يهدف إلى ربط العالم القديم، وهذا بدوره يعزز التواصل بين القارات الثلاثة، والذي قد يؤثر مع مرور الوقت في إضعاف التواصل مع العالم الجديد متمثلا بالأمريكيتين، وربما يقودها إلى شيء من العزلة يوما ما، وهذا يصب فيما تحدثنا عنه في مقال: “التراجع الأمريكي في إدارة العالم”، واحتمال انكفاء أمريكا إلى قضاياها الداخلية.. وهذا بلا شك سوف يدفع الولايات المتحدة لمواجهة المشروع بكل طاقتها، ولا أعتقد أن التحالف الهندي الإماراتي خارج عن التوجهات الأمريكية في المنطقة، هذا إذا لم يكن بالفعل أحد التوجيهات الأمريكية لمواجهة المشروع على المستوى الإقليمي.. لكن فيما يتعلق بـ باكستان على جهة الخصوص فربما تواجه عدة تحديات يمكن تلخيصها في نقطتين أساسيتين:

– الأولى: أن يقوم التحالف الثلاثي الذي يجمع بين الإمارات والهند وإيران وبدعم وترشيد من الولايات المتحدة الأمريكية؛ بدعم بعض الحركات الانفصالية والجماعات الإسلامية في إقليم “بلوشستان”، بحيث تشكل هذه الجماعات تهديدا أمنيا لهذا المشروع الصاعد.. وقد يساعد التحالف في إنجاز هذه المهمة القذرة تدهور الأوضاع الأمنية في الإقليم، وذلك على خلفية الهجمات التي كانت تشنها الولايات المتحدة في شرق أفغانستان ضد حركة طالبان الباكستانية.. ولا شك أن الصين وباكستان تدركان هذا التحدي جيدا، وهو الأمر الذي دفع باكستان إلى تعزيز الإقليم على المستوى الأمني والعسكري تجنبا لمثل هذه التهديدات..

– الثانية: أن يقوم التحالف الثلاثي بتحريك سلطنة عمان لرفع قضية دولية ضد باكستان تطالب بموجبها بحقها التاريخي في “جوادر”، خاصة أن دول التحالف تربطها علاقات وثيقة مع عمان.. وكانت “جوادر” خاضعة لسلطنة عمان منذ عام 1797م وحتى عام 1958م، وفي عام 1955م تحديدا عقدت مفاوضات بين الجانبين العماني والباكستاني حول “جوادر”، تمخضت عنها عدة اتفاقات تمنح “جوادر” لباكستان..

من الواضح لأي متابع أن الدول الثلاث تتطلع إلى تثبيت تحالفها غير المعلن في مواجهة باكستان، أملا منها بتحجيم المشروع، أو تعطيل الجزء البحري منه، الأمر الذي قد يدفع المنطقة إلى مزيد من الاضطرابات والصراعات، وتحويلها إلى شرق أوسط آسيوي جديد.. ولا يستبعد في هذا السياق أن نشهد زيارات مضادة إلى باكستان يقوم بها بعض السياسيين الأتراك، أو القطريين بهدف تعزيز التواصل مع باكستان، وتأكيد الوقوف إلى جانبها في مواجهة المخاطر التي تحدق بها..